2019/02/24

طرائق التدريس - المحاضرة الأول - الدكتور معتز علواني


العنوان: مبادئ تعليم اللغة
عدد الصفحات: 7


من مبادئ تعليم اللغة:
1-   اللسان أداة تبليغ:
يجب أن ننطلق من إيماننا بأن حيويّة اللغة في استعمالها، ومن المعايير التي ينبغي أن تتخير المادّة اللغويّة بمقتضاها الاستعمال، فما كثر استعماله في الحياة ينبغي التركيز عليه، وما قل استعماله يؤجّل إلى المتخصّصين فيما بعد.
ومن المعروف أنّ اللغة المنطوقة هي الأصل، ومن هنا كان لا بدّ من أن تحظى بالعناية في التدريب على المناشط اللغويّة؛ فالطفل يفهم ويتحدّث قبل أن يتعلّم القراءة والكتابة.
ولما كان اللسان أداة تبليغ فهذا يدفعنا إلى الإشارة إلى تمييز المستويات اللغويّة؛ فثمّة مستوى يلائم مرحلة من مراحل الطفولة، ومستوى آخر لا يكون ملائماً، ومستوى يكون قريباً من العامّيّة وآخر يرتفع عنها كثيراً؛ ففي لغتنا العربيّة نلاحظ أنّ هناك لغة التراث واللغة المعاصرة المستعملة في الإذاعة والتلفزة والصحف والمجلات والمحاضرات.
واختلاف المستويات يفرض على مدرّس اللغة العربيّة أن يتعرّف مستويات المتعلّمين أولاً ليقدّم إليهم المستويات اللغويّة الملائمة لقدراتهم واستعداداتهم العقليّة؛ حتّى تكون رسالة التبليغ مؤدّية مهمّتها على أكمل وجه، على أن تكون الفصحى هي الغاية والهدف في كلّ ما يقدّم وعلى مختلف الصعد والمجالات.

2- اللسان نظام متكامل:
اللسان وحدة متكاملة في أصواته ومقاطعه ومفرداته والعلاقة بين الكلمات، والنّظر إلى جانب واحد في معزل عن بقيّة الجوانب يعدّ عملاً مشوّهاً وقاصراً، ويتطلّع هذا النظام المتكامل إلى تعليم اللغة على أنّها وحدة؛ إذ إنّ فروعها (مجالاتها) تتكاتف فيما بينها لتؤدّي وحدة اللغة، وما التقسيم المصطنع الذي نشاهده بين فروعها (مجالاتها) إلا تيسير للدراسة فقط، في حين أنّ استعمال اللغة في الحياة كلّ متكامل ونظام شامل.
ونظام الكلمات في العربيّة يتطلّب مراعاة أسس معيّنة ضمن التركيب؛ كحالات تقديم المبتدأ على الخبر ونصب اسم (لا) النافية للجنس ... وعلى مدرّس اللغة العربيّة أن يراعي في تدريسه النظام الهيكليّ للقوالب اللغويّة في أثناء تدريسه المراحل الأولى انتقالاً بالناشئة من العفويّة التلقائيّة إلى الإدراك العقليّ لاستعمال تلك القوالب.
3-                         اللسان ظاهرة اجتماعيّة:
يرى اللسانيّون المعاصرون أن أنظمة اللسان تواضعيّة اصطلاحيّة بين أفراد المجتمع الذي يتكلّم به، ويستتبع ذلك أنّ اللسان لا يخضع لإرادة الفرد ومشيئته الخاصّة؛ إذ إنّ كلّ تجديد أو ابتكار لفظي يقوم به فرد ما إن لم يقبل به المجتمع فإنّه معرّض للإخفاق.
والعلاقة بين الدالّ والمدلول إمّا أن تكون طبيعيّة أو منطقيّة أو اصطلاحيّة. أمّا اللسان فهو علاقة اصطلاحيّة، ومن هنا كانت المفاهيم التي تحدّدها الألفاظ في لسان ما ليست مطابقة للمفاهيم التي تحدّدها لغة أخرى، ويقتضي هذا تعريب المفاهيم العامّة ذات الطابع العالميّ التي تتجاوز الشعب الواحد، كما يقتضي في الوقت نفسه التركيز في المناهج التربويّة على المحاور الوظيفيّة العامّة ذات النفع الاجتماعيّ.
ومن المهم أن نذكر أنّ اللفظ والمعنى في الوضع غيرهما في الاستعمال؛ فقد يطرأ تغيير على لفظ كلمة في أثناء استعمالها، كما أنّ التغيير يتناول المعنى في بعض الأحيان، ويتطلّب هذا من جهة اللفظ التقيّد التامّ بالنطق السليم، ويتطلّب دراسة التطوّر التاريخي للمعاني الجديدة التي اكتسبتها الألفاظ وكيف آلت إلى وضعها الحاليّ.
4-من معايير الاصطفاء:
عند تعليم اللغة وظيفياً ينبغي لنا الإجابة عن عدد من التساؤلات: ماذا نعلّم من اللغة في كلّ مرحلة من مراحل التعليم المختلفة؟ وإلى أيّ مستوى من اللغة في المفردات والتراكيب والقواعد التي ينبغي لنا أن نتخيّره في كلّ مرحلة؟ ما نوعه وما كميّته وما معايير هذا التخيّر؟
إذا كان التركيز على أساسيّات اللغة إن في الألفاظ أو في التراكيب والقواعد هو الطريق الطبيعيّ في اصطفاء المادّة اللغويّة وتعليمها فإنّ معيار هذا الاصطفاء يتجلّى في التواتر، فما كثر استعماله عدّ وظيفياً، وما قلّ استعماله عدّ ثانوياً، ويمكن تأجيل تعليمه لمرحلة التخصّص.
ونذكر فيما يتعلّق بالتراكيب عند اختيار المادّة التي ينبغي تدريسها:
‌أ.      الابتعاد عن التراكيب اللغويّة الطويلة في المرحل التعليميّة الأولى.
‌ب.            الابتعاد عن التقديم والتأخير الذي يؤدي إلى اللبس والغموض.
‌ج.   الإبقاء على التراكيب الشائعة الاستعمال.
وفي القواعد النحويّة ينبغي:
‌أ.      العناية بالنحو الوظيفي في ضوء الاستعمال.
‌ب. الابتعاد عن المصطلحات الجافّة في المراحل الأولى.
‌ج.  دمج الموضوعات في ضوء المفاهيم.
ولا بدّ من الوقوف على المناشط اللغويّة الأكثر استعمالاً في الحياة، ثمّ تخيّر الألفاظ والتراكيب والقواعد الأكثر تواتراً في هذه المناشط.
5-                        تعليم اللغة في ضوء النظريّة البنيانيّة:
ترتبط المفاهيم البنيانيّة فيما يختصّ بتعليم اللغة بمبادئ علم النفس السلوكي ارتباطاً وثيقاً، فتنظر إلى اللغة على أنّها نوع من أنواع المثير والاستجابة، واللغة ضمن هذا الإطار سلوك إنسانيّ. وتقوم المفاهيم البنيانيّة فيما يختصّ بتعليم اللغة على النحو الآتي:
‌أ.      تبنى عمليّة تعليم اللغة على منهجيّة تكوين عادات كلاميّة انطلاقاً من إثارة المثير ومن الاستجابة التلقائيّة لهذا المثير.
‌ب.                تقوّى العادات الكلاميّة بوساطة تعزيزها وتدعيمها بصورة متواصلة.
‌ج.  تقتضي الأساليب الأساسيّة المعتمدة بهدف تنمية الأداء الكلاميّ للتلميذ الترداد والممارسة، وتدعيم العناصر الكلاميّة وتتابعها في السياق الكلاميّ.
ويحرص البنيانيّون على توفير تمرينات متدرّجة يدرس التلميذ في ظلّها كلّ صعوبة لغويّة ضمن بنية تركيبيّة واحدة مرتبطة بظرف كلاميّ محدّد، وتهدف هذه التمرينات إلى تركيز البنى اللغويّة والعناصر في ذهن المتعلّم بصورة آليّة، ولا بدّ في عمليّة التركيز هذه من مراعاة:
‌أ.      تثبيت البنية اللغويّة بصورة واضحة في تمرين متخصّص.
‌ب. ترداد المتعلّمين التمرين أكثر من مرّة.
‌ج.  الحرص على أن تكون استجابات المتعلّمين صحيحة في غالبيّتها؛ كي تتركّز البنية اللغويّة في الذهن.
‌د.     الحرص على أن يكون التصحيح أكثر فعاليّة حين يتبع مباشرة الاستجابة غير الصحيحة.
وهكذا يتعلّم المتعلّم اللغة من خلال تكرار الجمل، وينمو سلوكه اللغويّ من خلال تقليد البنى اللغويّة وممارستها، وتتمّ الممارسة من خلال التمرين البنياني، ويهدف هذا التمرين إلى إكساب المتعلّم البنى الأساسيّة في اللغة وتدعيم معرفته بهذه البنى، وتمكينه من استعمالها بصورة آليّة.
وتأخذ التمرينات البنيانيّة بالاتجاهات التربويّة الآتية:
‌أ.      يجب ألا تذكر القاعدة التي يبنى عليها التمرين؛ إذ تبقى القاعدة ضمن اهتمامات المدرّس المسؤول عن إدارة التمرين.
‌ب.     يجب إكساب المتعلّم بصورة آليّة البنى الصرفيّة والتركيبيّة للّغة.
‌ج.   يجب إعطاء المتعلّم فرصة استعمال البنى المكتسبة، واعتماد نوع من التدرّج في تركيز البنى المختلفة، واستعمالها واستثمارها على أحسن وجه في عمليّة تكلّم اللغة.
‌د.      يجب تزويد المتعلّم دائماً بالجمل الصحيحة كي لا يطرأ عليه وضع لا يعود في ظلّه تحقيق الاستجابة المطلوبة في حال سماعه جملاً غير صحيحة مما يسيء إلى عمليّة التعلّم.
6-النظريّة التوليديّة والتحويليّة وتعليم اللغة:
يرى تشومسكي مؤسّس هذه النظريّة أنّ الإنسان لديه قدرة إبداعيّة أو كفاية لغويّة تقود اكتشافه لقواعد لغته وتكوينه لكفايته اللغويّة، ومفهوم اللغة على أنّها سلسلة وحدات قائمة على العادات الكلاميّة وفق ما يذهب إليه البنيانيّون لا يلائم الناحية الإبداعيّة في اللغة، ولا يراعي حقيقة الإنسان العقليّة الكامنة وراء كلّ سلوك فعليّ.
والتمرينات البنيانيّة كما يرى أصحاب النظرية التوليديّة والتحويليّة لا تخدم عمليّة تعليم اللغة؛ لأنها تنطلق من منطلق غير صحيح من حيث إنّها لا توفّر في كلّ محاولة سوى مظهراً مجزّأً للغة، ولا تساعد المتعلّم على الإلمام باللغة في أبعادها الإبداعيّة كلّها، فاللغة وحدة قائمة بذاتها، وكلّ محاولة لتعليمها مجزأة تبدو مهدّدة بالإخفاق.
والتواصل اللغويّ لا يقوم على البنى والمفردات المحدّدة، بل ينبع من المعرفة الضمنيّة لدى متكلّم اللّغة، ليس فقط بالقواعد التي تربط بين الدلالات والأصوات اللغويّة فحسب، والتي هي ضمن كفايته اللغويّة، بل يقتضي التواصل اللغويّ الإلمام بقواعد التواصل القائمة بصورة ضمنيّة عبر ما نسمّيه بالكفاية اللغويّة التواصليّة، وهذه الكفاية التواصليّة تفسّر قدرة الإنسان على استعمال لغته في ظروف التواصل المختلفة في بيئته الاجتماعيّة، وفي ضوء هذا المنظار تبدو التمرينات البنيانيّة فقيرة جداً، ولا تلائم بصورة واقعيّة الظروف التواصليّة التي يجد المتعلّم نفسه فيها عندما يتكلّم في بيئته الاجتماعيّة.
والتمرين البنياني لا يسهم في تزويد المتعلّم بالكفاية اللغويّة ولا بالكفاية التواصليّة ولا بالقدرة على إدراك البنى اللغويّة وارتباطها بالدلالات الفكريّة، ولا يخدم عمليّة تعليم اللغة إلا من خلال إكساب المتعلّم بعض المهارات المتعلّقة بالأصوات من خلال ترداد الأصوات اللغويّة وتحسين النطق بها.
وتعليم اللغة يستلزم إعطاء التلميذ الوصف اللغويّ المناسب، آخذاً بالحسبان مستوى التلميذ الفكريّ، والمتعلّم ليس مجرّد جهاز التقاط يلتقط بصورة آلية المعلومات ممّا يتعلّمه، بل إنّه في الحقيقة يلجأ إلى قدراته الذهنيّة ولإدراكيّة لاستكمال هذه العمليّة.
وفي الإجابة عن سؤال: ماذا يعلّم مدرّس اللغة؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال يمكن إدراجها عبر مجالات اللسانيّات العامّة وعلم الاجتماع اللغويّ وعلم النفس اللغويّ.
-      في مجال اللسانيّات العامّة: يمكن أن نصف موضوع تعليم اللغة، فنقول:  إنّ المدرّس يعلّم المتعلّمين مقاطع إيقاعيّة ونبرات صوتيّة، ولائحة أصوات لغويّة، ولائحة بمفردات معجميّة، ومجموعة من القواعد تتركّب الجمل وفقها، ومجموعة فئات نحويّة كالاسم والفعل والحروف والأدوات.
وقد طوّرت اللسانيّات هذه القضايا؛ فالمدرسة البنيانيّة أسهمت إسهاماً فعالاً في وصف اللغة وتصنيف عناصرها، ودراسة العلاقات القائمة فيما بينها. والنظريّة الألسنيّة التوليديّة والتحويليّة أسهمت وما تزال في تفسير قضايا اللغة وبناء قواعد الكفاية اللغويّة التي تقود عمليّة التكلّم أو الأداء الكلاميّ.
-      في مجال علم الاجتماع اللغويّ: ينبغي تعليم المتعلّم قواعد استعمال اللغة في المجتمع، وتطوير ما نسمّيه بالكفاية اللغويّة التواصليّة في المجتمع التي تفسّر قدرة الإنسان على استعمال لغته في ظروف التواصل المختلفة في بيئته الاجتماعيّة.
-      في مجال علم النفس اللغويّ: تساعد الدراسات على عمليّة تحديد المادّة اللغويّة التي يعلّمها المدرّس، وعلى تفهّم اللغة من حيث هي ميزة عقليّة خاصّة بالإنسان.

ليست هناك تعليقات:

اضافة تعليق